أبي طالب المكي

223

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

لَكُمْ دِينَكُمْ ) * [ المائدة : 3 ] . إجماعا من المسلمين ، وأنها نزلت بعد نزول الفرائض وإتمام الشرائع وفي حجة الوداع ، وهي آخر حجة حجّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول فرض الحج ، لأنّ سورة المائدة مدنية بإجماع من القراء ، وهي من آخر ما نزل من القرآن باتفاق من الفقهاء . ولم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إلَّا ثلاثة أشهر وثلاثة أيام اتفق عليه أهل التأريخ ، لأنها نزلت يوم التاسع من ذي الحجة من آخر يوم عرفة وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة خلون من ربيع الأول . فقال الله تعالى بعد نزول الأحكام وأحكام الحلال والحرام : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * [ المائدة : 3 ] . والإكمال هو إتمام الشيء الذي بعضه متعلق ببعض ، فلا يقال أكمل لما كان بعضه قبل بعض ، فإذا وجد جميعه قيل : قد أكمل وتمّم ، هذا هو حقيقة هذه الكلمة . فلما كان الإيمان قد تقدم بمكة ، وأنزل الله تعالى الفرائض والدين شيئا بعد شيء ، وكان الإكمال من الدين دلّ أنّ بعضه متعلَّق ببعض إلى أكمله ، فصارت الأعمال متعلقة بالإيمان ، وهما الدين المكمل . وقال بعض السلف : من لم يقل من المرجئة أن إبليس مؤمن لأنه قد أقرّ بالإيمان وقال به انكسر عليه مذهبه . ولعمري أنّ إبليس لعنه الله موحد لله تعالى عارف به إلَّا أنه لم يعمل بالتوحيد ولم يطع من عرفه وآمن به فكفر . فأما تعلقهم بقول الله تعالى : * ( فَأَثابَهُمُ الله بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي من تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * [ المائدة : 85 ] . فإنه شرط القول للجنات أو علق الجنات بالقول فإنما ذلك إثبات منه تعالى لتحقيق القول ، وأنه قول إيمان ويقين ، وأنهم غير متعوّذين بالقول ، ولا متّخذوه جنة كالمنافقين ، إذ المنافقون قد قالوا كقولهم إلَّا أنه أخبر عن سرائرهم بضده فقال : * ( هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ) * [ آل عمران : 167 ] . فأراد سبحانه بأنّ قول هؤلاء قول المؤمنين ، وأنّ قولهم إيمان من أعمالهم لأنهم منفردون بالقول دون العمل وفيه أيضا دليل أنّ القول بالحقّ من الإيمان ، وأنه يستحق عليه ثوابا ، لأنه من أعمال البرّ بمنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فأما أن يكون فيه دليل أنّ القول حسب هو الإيمان كله وأنّ الإيمان يكون قولا لا يحتاج إلى عمل ، فهذا باطل بالأدلة التي قدمنا ذكرها من الآي التي شرط الله تعالى فيها الأعمال . ومن قوله في الكفار : * ( فَإِنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) * [ التوبة : 5 ] وأيضا فإن في نفس هذه الآية بطلان دعوى المرجئة لأن الله تعالى لم يقل فلم يثبهم الله إلَّا بما قالوا جنات وإنما قال عزّ وجلّ : * ( فَأَثابَهُمُ الله بِما قالُوا جَنَّاتٍ ) * [ المائدة : 85 ] . فأخبر أنه أجرهم على قولهم بالحق ، كما قال فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ، ثم أحكام ذلك وقيده بقوله تعالى : * ( وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ